Skip to Content
‏اخبار
السودان
الان
من
كل
المصادر‏
“التغيير” تنشر دراسة عن العلاقات السودانية الإسرائيلية..(1)حزب الأمة وإسرائيل
اخبار السودان اخبار السودان / سبتمبر 29, 2020




خالد إدريس أحمد محمد

المقدمة :-

أدت الانقسامات والصراعات الكثيرة في السودان على السلطة والتي احتدمت فيه، وفي شماله بالدرجة الأولى الي فتح الباب أمام التدخّل الإسرائيلي في السودان ، من دون أن تتطوّر أو تتبلور فيه أرضيّة وطنية، وفي كلّ مرحلة من مراحل التدخّل الإسرائيلي في السودان، جيرت إسرائيل تدخّلها لخدمة أهدافها الاستراتيجيّة لقاء تقديمها المال أو الرّشى للنّخب السودانية الشّمالية التي تعاملت مع إسرائيل، ففي الخمسينيات من القرن العشرين، أسّست إسرائيل هذا التدخّل على أرضية العمل ضدّ مصر بقيادة عبد الناصر، وقد قطع قادة حزب الأمّة السوداني في تلك الفترة شوطاً طويلاً في هذا التّحالف مع إسرائيل ضدّ مصر، قبل العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956وفي أثنائه وبعده. وفي أواخر السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات، أقامت إسرائيل علاقات قويّة بالرئيس السوداني جعفر النميري ونظامه، إلى درجة سماح النميري لإسرائيل ليس بتهجير عشرات آلاف اليهود الفلاشا من الأراضي السودانية إلى إسرائيل فحسب، وإنما سماحه بإقامة قاعدة لجهاز المخابرات الإسرائيليّة (الموساد) في الخرطوم أيضاً. أمّا في شأن دعم إسرائيل لحركة التمرّد في جنوب السودان فإنّها أخضعت هذا الدعم لمصلحتها . فعندما كان دعم التمرّد يخدمها، كما كان الأمر عليه في أواخر الستّينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، أو لاحقاً في التسعينيات، فإنّها دعمته؛ ولكن عندما كان هذا الأمر لا يخدمها، لوجود خادم لها في رأس السّلطة في السودان، كما كان الوضع عليه في أواخر السّبعينيات وحتى منتصف الثّمانينيات، فإنّ إسرائيل أبتْ أن تقدّم الدعم للتمرّد في جنوب السودان.

المرحلة الأولي:  (1954 – 1958)

في يونيو 1954 أرسل حزب الأمّة السوداني وفداً إلى لندن للحصول على الدّعم البريطاني لاستقلال السودان، وفي أثناء مكوثه في لندن أوعزت المخابرات البريطانيّة (أم آي 6) إلى وفد حزب الأمّة ليطلب المساعدة من إسرائيل،وفي 17 يونيو 1954 اجتمع هذا الوفد؛ الذي ضمّ السيد الصديق المهدي، الابن الأكبر للمهدي، ومحمد أحمد عمر نائب الأمين العام لحزب الأمّة في لندن إلى مسؤولين إسرائيليّين من السّفارة الإسرائيليّة في العاصمة البريطانية، واتّفق الطّرفان في ذلك الاجتماع على مواصلة اللقاءات والاجتماعات باستمرار، على أرضيّة المصالح المشتركة بينهما في العداء لمصر، واتّفقا أيضاً عل أن يكون محمد أحمد عمر رجل الاتّصال الدائم بين حزب الأمّة وإسرائيل. وفي 21 سبتمبر 1955، ذكر موشيه شاريت في مذكّراته ما يفهم منه استمرار الاتّصالات بين حزب الأمّة وإسرائيل على مستويات رفيعة، فقد كتب الآتي: “جلست مع جوش بلمون الذي عاد من إسطنبول، للاستماع منه إلى تقرير عن استمرار المفاوضات مع زعيم حزب الأمّة السوداني وعن اجتماعه إلى محافظ بنك إسرائيل “دافيد هوروفيتس” الموجود الآن في المدينة نفسها في مناسبة عقد مؤتمر البنك الدولي. “اتّضحت احتمالات إضافيّة لتطوير علاقات تجاريّة بيننا وبينهم، وهدفهم هو فصل السودان عن أيّ اعتماد اقتصادي على مصر…”.

خلال لقاءاته الكثيرة مع المسؤولين الإسرائيليّين، شرح محمد أحمد عمر نائب الأمين العام لحزب الأمّة، قلق السودان المتعاظم من “محاولات مصر زيادة نفوذها في السودان على الرغم من اعتراف مصر أمام الخارج باستقلال السودان”. وأكّد أنّ “مصالح السودانيين الذين يتمسّكون باستقلال السودان تتماهى مع مصالح إسرائيل” ضدّ الخطر المشترك المتمثّل في مصر”.

 

المفاوضات المالية بين حزب الأمة وإسرائيل :

جرت بين حزب الأمّة وإسرائيل في الفترة الممتدّة بين سنة 1954 وسنة 1958 اتّصالات واجتماعات كثيرة ومفاوضات متشعّبة في شأن مسألتين أساسيّتين لمواجهة ما اعتبراه عدوّهما المشترك المتمثّل في مصر، تتعلّق المسألة الأولى بتقديم إسرائيل مساعدات ماليّة لحزب الأمّة على شكل قروض لتمكينه من مواجهة النّفوذ المصري في السودان، وكذلك مواجهة الأحزاب السودانية التي لم تكن تعتبر مصر عدوًا، والتي كانت تدعو إلى وحدة وادي النّيل والحفاظ على علاقات متطوّرة بين السودان ومصر. أمّا المسألة الثانية فتمحورت حول استثمار إسرائيل أموالاً في مشاريعَ اقتصادية في السودان، وخاصّةً في أراضي المهدي زعيم حزب الأمّة، وفي المشاريع التي تدرّ أرباحاً ماليّة على حزب الأمة.

كان حزب الأمّة في حاجة ماسّة إلى سيولة نقدية لتمويل نشاطه السياسي في ظلّ احتدام المنافسة بين الأحزاب السودانيّة في شأن مصير السودان ومستقبل علاقاته مع مصر، وخاصّةً في فترة الحملات الانتخابيّة للبرلمان السوداني، وفي هذا السّياق لتوفير السّيولة الماليّة لحزب الأمّة في صراعه مع الأحزاب السودانية الأخرى، اقترح (محمد أحمد عمر) على المسؤولين الإسرائيليّين أن تشتري إسرائيل القطن من المهدي زعيم حزب الأمّة، الذي ينتجه في مزارعه الواسعة في السودان، وأن تدفع مقدّماً ثمن القطن الذي سينتج في السّنوات الثّلاث التالية، وكانت القيمة السّنوية للقطن الذي تنتجه مزارع المهدي تقدّر، وفق ما ذكره محمد أحمد عمر للإسرائيليين، بمليون ونصف المليون جنيه إسترليني، وبما أنّ المبلغ المالي كان كبيراً جداً لإسرائيل، في مقاييس تلك الفترة، فقد توجّهت إسرائيل في بداية العام 1956 إلى رجل أعمال صهيوني بريطاني كان يعمل مديراً في شركة (Lewis and Peat) لفحص إمكان قيامه بشراء قطن المهدي ودفع ثمنه مقدماً.

وأرسلت الشّركة المذكورة في فبراير 1956 أحد كبار موظّفيها ويدعى “وردن” إلى السودان للاطّلاع على الأوضاع، وإجراء مفاوضات مع المهدي لشراء إنتاج مزارعه من القطن للسّنوات الثلاث التالية ودفع ثمنه مقدّماً. وقد مكث مبعوث الشّركة “وردن” عشرة أيام في السودان، رافقه في أثنائها محمد أحمد عمر الذي رتّب له اجتماعاتٍ مع المهدي زعيم حزب الأمّة ومع قيادات أخرى من حزب الأمّة ومع وزراء في الحكومة السّودانية، كان بينهم عبد الله خليل وزير الدّفاع السوداني حينئذٍ، والذي أصبح في يوليو 1956 رئيساً للحكومة السّودانية. وعبّر عبد الله خليل لمبعوث الشّركة البريطانية عن أسفه لعدم وجود قنوات اتّصال مع إسرائيل وعن رغبته في تجديد العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل.

بعد انتهاء زيارته السودان قدّم “وردن” تقريراً شاملاً عن زيارته تلك، وأوصى بتقديم قرض إلى المهدي زعيم حزب الأمّة (من نوع ريفولفينغ كريديت) قدره مليون ونصف المليون جنيه إسترليني، لقاء إمّا نسبة من الأرباح أو عمولة على بيع القطن. وعلاوةً على ذلك، أفاد “وردن” في تقريره أنّ الجانب السوداني اقترح عليه تطوير أراضٍ جديدة لزراعة القطن في السودان والتي ستلحق مستقبلاً بأراضي المهدي، ولأنّ هذه المبالغ كانت كبيرة بالنسبة إلى إسرائيل في تلك الفترة، اتّصل محافظ بنك إسرائيل بالعديد من المصارف السويسرية للحصول منها على قروض لتمويل هذه المشاريع. وتبيّن من هذه الاتّصالات أنّ المشكلة لم تكن في الحصول على القروض وإنما في ارتفاع قيمة الكفالة على المخاطر المرتبطة باستثمار هذه المبالغ المرتفعة في السودان، لعلاقة هذه المشاريع بإسرائيل. وجرّاء هذه المصاعب تداولت إسرائيل وحزب الأمّة إنشاء بنك زراعي في السودان ليتمّ من خلاله تمويل المشاريع الإسرائيليّة. ولأنّ إنجاز هذه المشاريع كان يستغرق وقتًا طويلاً، وفي ضوء اقتراب الانتخابات البرلمانية السودانيّة وحاجة حزب الأمّة الملحّة للمال، طلب محمد أحمد عمر، نائب الأمين العام لحزب الأمة، من الطرف الإسرائيلي قرضا فوريًّا للمهدي قيمته 150 ألف جنيه إسترليني لاستعماله في الانتخابات الوشيكة.

مسؤول سوداني رفيع المستوى في إسرائيل :

استدعت حاجة المهدي للقرض، علاوة على سعْي حزب الأمّة لتطوير علاقاته بإسرائيل ضدّ مصر، أن يزور مسؤول سوداني رفيع المستوى إسرائيل سرًا، وتمهيدًا واستعدادًا لهذه الزيارة للبتّ في طلب القرض وفي المشاريع الإسرائيلية في السودان، دعتْ وزيرةُ خارجية إسرائيل غولدا مئير، كلاً من وزير الماليّة ووزير التجارة ومحافظ بنك إسرائيل والمدير العام لمكتب رئيس الحكومة والمدير العام لوزارة الخارجيّة وعددًا آخرَ من المسؤولين والخبراء الإسرائيليّين، إلى عقد اجتماع موسّع في 20 أغسطس 1956.

لا تزال الملفات التي عالجت المحادثات التي أجراها المسؤول السوداني رفيع المستوى في أثناء زيارته إسرائيل في الثّلث الأخير من شهر أغسطس 1956م، في طيّ الكتمان. لكن هناك العديد من التقارير التي تطرّقت إلى زيارة هذا المسؤول السوداني بصورة غير مباشرة، والتي عالجت مقدرة إسرائيل على توفير الدّعم المالي لحزب الأمّة ومسألة إشراك دول عظمى في دعم حزب الأمّة ضدّ مصر عبد الناصر، لأنّ ذلك كان فوق طاقة إسرائيل الماليّة، فقد جاء في وثيقة صدرت عن مكتب وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة في القدس إلى سفير إسرائيل في باريس، في 28 أغسطس 1956، أي بعيد أيّام معدودة من زيارة المسؤول السوداني رفيع المستوى إلى إسرائيل، “أن تطوّر علاقات إسرائيل مع حزب الأمة السوداني يعِد باحتمالات مشجّعة، تعتمد قدرة هذا الحزب، في داخل السودان وباسم السودان، في كبح تعاظم قوّة المصريّين وشركائهم، على حجم المساعدات السياسيّة والاقتصاديّة التي توضع تحت تصرّفهم، وفي سبيل هذا الأمر نحن بحاجة إلى شركاء،من ناحيتنا، نرى أنّ الفرنسيين ملائمون، كما أنّ الرجل السوداني الذي نحن في اتّصال معه لا يخشى من هذه الشراكة”.

يوضّح الصورة أكثر تقريرٌ مهم للغاية صاغه مدير مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية (تيدي كوليك) ورفعه إلى دافيد بن غوريون رئيس الحكومة، في 2 سبتمبر 1956. عالج هذا التقرير جملةً من الموضوعات كان أبرزها تدبير المال الكافي لدعم حزب الأمّة السوداني، والبحث عن شركاء لتحقيق الأهداف الإسرائيليّة في السودان. ويتّضح من هذا التقرير أنّ التدخّل الإسرائيلي في السودان في تلك الفترة وتقديم الدّعم الإسرائيلي إلى حزب الأمّة السوداني كان جزءاً من استراتيجيّة إسرائيليّة شاملة بقيادة بن غوريون ضدّ مصر بزعامة عبد الناصر.

ويتبيّن من التقرير أنّ دافيد بن غوريون، في سياق رسمه لهذه الإستراتيجية، عقد اجتماعين موسّعين طويلين مع نخبة “خبراء الشؤون العربية” في أغسطس 1956، وتلا هذين الاجتماعين اجتماعات عدّة عقدها خبراء الشّؤون العربية لدراسة أوضاع الوطن العربي وكيفيّة اختراقه وإمكانات ذلك، و” توصّل المشاركون في هذه الاجتماعات إلى أن العالم العربي ينبغي اختراقه من خلال الشّقوق الموجودة فيه”، وأنهم “يؤمنون بأنّ في إمكاننا إقامة علاقات بدوائرَ واسعة في العالم العربي تخشى وتخاف من صعود عبد الناصر”. وذكر تيدي كوليك في تقريره أنّ عدداً من هؤلاء “الخبراء في الشّؤون العربية” قد سافر إلى أوروبا وباشر الاتّصال بفئات في الدول العربية، و” أنّ بعض هذه الاتصالات يعِد باحتمالات جيّدة”. ثم أشار تيدي كوليك إلى المسؤول السوداني رفيع المستوى الذي زار إسرائيل، فذكر أنّ هذا المسؤول “اقتنع بأنّ لدينا قدرةً أكثر ممّا كان يعتقد قبل مجيئه إلى إسرائيل. وعلى الرغم من ذلك أخشى ألاّ نقدّم الكثير، وعندها تكون خيبة الأمل أكثر ممّا لو لم نقم بدعوته إطلاقاً، لأنه سيعتقد أنّ عدم فعلنا ينبع من عدم رغبتنا وليس من عدم قدرتنا[المالية]”.

ذكر تيدي كوليك في تقريره إلى بن غوريون أمراً آخر مهماً يتعلّق بالنشاط الاستخباري الإسرائيلي في مصر، فأشار إلى أنّ “خبراء الشؤون العربية” الإسرائيليين “اتّصلوا برجلين جدّيين في مصر، وتحدّثوا إلى أحدهما عن خطّة دعائيّة متشعّبة. إنّ تنفيذ هذه الخطّة يتطلّب مالاً كثيراً”. ثم انتقل تيدي كوليك إلى موضوع ضرورة إشراك فرنسا والولايات المتّحدة الأميركيّة في النشاط الإسرائيلي في السودان والدّول العربية الأخرى، لأنّ “من الواضح أنّ الإمكانات الملائمة لتنفيذ هذا النّشاط بشكل جيّد غير متوافر لدينا،ومن ناحية أخرى هناك خشية من أن لو أشركنا قوى أجنبية في القضية، احتمالاً بأن تنتقل العلاقات التي أقمناها، من أيدينا إلى أيادٍ أخرى، في ما أعتقد، حتى وإنْ كان مثل هذا الخطر قائماً (في اعتقادي أن في الإمكان منع ذلك) فمن الأفضل أن ينفّذ الآخرون نشاطاً ضدّ عبد الناصر من عدم تنفيذ عمليات ضدّه قطّ، بسبب النّقص في إمكاناتنا. ففي اعتقادي علينا ألاّ نتصرّف مثل كلب بلا أسنان يجلس إلى جانب عظمة جيدة أُلقيت له ولا يستطيع الاستمتاع بأكلها، ولكنه ينبح باستمرار ولا يسمح لزملائه بالوصول إلى العظمة”.

وفي ختام تقريره أوصى تيدي كوليك بتخصيص مبلغ مالي يرصد سلفاً ويوضع تحت تصرّف المسؤولين الإسرائيليّين عن هذا النشاط، وإشراك أجهزة المخابرات الفرنسية والأميركية به.

تكثيف الاتصالات بين حزب الأمة وإسرائيل عشية العدوان الثلاثي :

تكثّفت الاتصالات بين إسرائيل وحزب الأمّة السوداني عشيّة العدوان الثلاثي (الإسرائيلي – الفرنسي – البريطاني) على مصر، وانخرطت فرنسا وبريطانيا أيضاً في تقديم الدعم لحزب الأمّة ضدّ مصر وضدّ الأحزاب السودانية التي كانت تنادي بالتّحالف مع مصر وتطوّر العلاقات معها، وذكر تقرير أرسله (ي. بلمون) إلى غولدا مئير وزيرة خارجية إسرائيل، أنّ محمد أحمد عمر نائب الأمين العام لحزب الأمّة، أخبر الإسرائيليّين أنّ المهدي وحزب الأمّة ومؤيّديه من طائفة الأنصار يعتبرون المصريّين أعداء لهم، وأنهم سيكونون سعداء إذا تضعضعت قوّة المصريّين وتراجع نفوذهم، وأضاف التقرير أنّ هناك قوى سودانية تنافس حزب الأمّة، أهمّها طائفة الختمية وجناحها السياسي – حزب الشعب المؤيّد جداً للمصريّين، ومجموعة الأزهري والجنوبيّون. وذكر التقرير أنّ كلاً من مجموعة الأزهري والجنوبيّين انتهازيون، وقد ينضمّون إلى المعسكر المؤيّد لمصر. وأضاف التقرير: مع اقتراب موعد الانتخابات للبرلمان السوداني، فإنّ أمام حزب الأمّة أحد خيارين: الأوّل أن يتهرّب من اتّخاذ موقف في جميع القضايا المتعلّقة بمصر لتجنّب قيام مصر باتّخاذ موقف معادٍ للحزب بشكل واضح، وهذا قد يؤدّي إلى حصول حزب الأمّة على مساعدة ماليّة قليلة من مصر، وبذلك تزيد مصر نفوذها في السودان، والثاني، اتّخاذه موقفاً واضحاً متحفّظاً من مصر وجامعة الدول العربية، وهذا يقود إلى زيادة الضّغوط عليه من مصر وحلفائها من الدّول العربية والاتّحاد السوفيتي، وأشار التقرير إلى أنّ مصر تقدّم دعمًا مالياً سخياً للأحزاب السودانية المناوئة لحزب الأمّة. واقترح بلمون على غولدا مئير أن تقدّم إسرائيل قرضاً لحزب الأمّة السوداني قيمته 100 ألف دولار من غير ضمانات، وقرضاً آخر للمهدي قيمته 300 ألف دولار، لقاء ضمانات على شكل إيصالات (كمبيالات). وأضاف بلمون أنّ فرنسا قد تقدّم دعماً مالياً لحزب الأمّة السوداني جراء العلاقات التي أقامها محمد أحمد عمر مع فرنسا بمبادرة إسرائيل ودعمها. وفي ختام تقريره طلب بلمون من وزيرة الخارجية الإسرائيليّة غولدا مئير جوابا خلال أسبوع لكي يوصل هذا الجواب إلى محمد أحمد عمر.

في 17 سبتمبر 1956، أرسل (أوري لوبراني) من القدس رسالة إلى (إلياهو ساسون) سفير إسرائيل في روما حينئذ، أخبره فيها عن القرارات التي اتّخذتها إسرائيل في شأن السودان وهي :-

  1. تقرّر الطلب من ( آفيا) ومن (كونيكوف) أن يفحصا في جنيف إمكان إقامة بنك زراعي في السودان لوضعه في تصرّف مشاريعنا هناك.
  2. تقرّر البحث في أوروبا والولايات المتّحدة عن طرق لجمع الأموال لاستعمالها في مشاريع اقتصادية في السودان.
  3. تقرّر الاتّصال بفرنسا لإشراكها في المشاريع والنّشاطات في السودان،وقد تمّ الحديث مع (جلبير) الذي أظهر حماسة للأمر، وسيسافر (زيامه ديبون) إلى باريس لترتيب اجتماع بين محمد أحمد عمر و (جلبير).
  4. تمّ الاتّفاق مع آفيا وكونيكوف على تقديم قرض للمهدي قيمته 300 ألف دولار، على أن يوقّع المهدي إيصالات (كمبيالات) لضمان سداد المبلغ،وسيتم دفع 50 ألف دولار من هذا المبلغ إلى المهدي فورا.
  5. اقترح رئيس الحكومة (دافيد بن غوريون) أن يسافر (ح. جفاتي) المدير العام لوزارة الزراعة الإسرائيليّة، وإيهود أفريئيل إلى السودان، للوقوف عن كثب على النّشاط الإسرائيلي في السودان،ولكن من غير الواضح حتى الآن مَن سيسافر إلى السودان. والهدف الإسرائيلي هو إرسال مبعوثين رفيعي المستوى إلى السودان لإضفاء الجديّة الملائمة على التّعاون بين إسرائيل والسودان ، وتطويره إلى مستوى عالٍ.

وأضاف (أوري لوبراني) في تقريره أنّ رئيس وزراء فرنسا ووزير خارجيّته أبْديا اهتماماً بموضوع السودان، وكلّفا كبار الموظّفين في وزارة الخارجيّة الفرنسية بتقديم اقتراحات ملموسة لمساعدة حزب الأمّة السوداني. وبناءً على ذلك، قدّمت وزارة الخارجية الفرنسية الاقتراحاتِ التالية:

  1. تقديم قرض للسودان بمبلغ قيمته مليونا جنيه إسترليني.
  2. تقديم مساعدات مباشرة لحزب الأمّة في الانتخابات البرلمانيّة المقبلة بوساطة تزويده بماكينات طباعة وسفريات… إلخ.
  3. إرسال مبعوث فرنسي خاصّ إلى الخرطوم غايته السّعي لشراء محصول القطن من المهدي، ودفع ثمن القطن مقدّمًا.
  4. وافق الفرنسيّون، من حيث المبدأ، على مساعدة السّودان في إقامة سلاح جوّ بشرط أن تجري الاتّصالات في هذا الشّأن رسمياً بين الحكومتين الفرنسيّة والسّودانية.

وأضاف أوري لوبراني في تقريره أنّ محمد أحمد عمر بعد أن ينهي مهمّته في باريس سيسافر إلى جنيف كي ينجز مع موشيه ساسون الاتّفاقية مع آفيا وكونيكوف.

التجسّس على عبد الناصر لمصلحة إسرائيل عشية العدوان الثلاثي :

في منتصف سبتمبر 1956 زار المهدي زعيم حزب الأمّة السوداني مصر، وأجرى سلسلة من المحادثات مع القيادة المصريّة، واجتمع في خلالها إلى الرئيس جمال عبد الناصر، ورافق المهدي في زيارته هذه رئيس البرلمان السوداني محمد صالح الشنقيطي، الصديق الشخصي للمهدي والمقرّب منه بحسب الوثائق الإسرائيلية. وقد شارك الشنقيطي المهدي في المرحلة الأولى من المحادثات التي أجراها مع الرئيس جمال عبد الناصر، ولم تكد تمرّ عشرة أيام على اجتماعه هو وزعيم حزب الأمّة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، حتى كان الشنقيطي يقدّم إلى مسؤول إسرائيلي في جنيف، في 27 سبتمبر 1956، تقريراً مفصّلاً وشاملاً عن المحادثات التي أجراها المهدي مع الرئيس جمال عبد الناصر، وأخبر الشنقيطي المسؤول الإسرائيلي بالآتي :-

  1. يعتبر السودان أنّ تعاظم قوّة مصر العسكرية يشكّل خطرًا مباشرًا على استقلال السودان، ويخشى السودان من أنّ الحرب المقبلة التي ستشنّها مصر ستوجّه ضدّه وليس ضدّ إسرائيل.
  2. هناك مصلحة للسودان في إضعاف النظام المصري وفي تعزيز الصّداقة مع المعارضين لعبد الناصر. ولكن حاجة السودان إلى قناة السويس وإلى حلّ مشكلات المياه مع مصر، وإلى سداد ديونه الخارجيّة واقتراب موعد الانتخابات البرلمانية السودانية، ترْغم حزب الأمّة على مهادنة مصر في المستقبل القريب.
  3. رغب عبد الناصر في زيارة المهدي لمصر كي يظهر للعالم دعم السودان لمصر في شأن السويس. وعلى الرغم من أنّ عبد الناصر ألمح إلى أنّ زيارة المهدي لمصر مرغوب فيها كي يقوم المهدي بالوساطة بين مصر وبريطانيا، إلاّ أنّ عبد الناصر لم يطلب من المهدي أيّ نوع من الوساطة إطلاقًا.
  4. زار المهدي مصر كي يبلّغ إلى عبد الناصر موقفه من أزمة السويس، وكي يظهر أمام مواطني السودان أنّ علاقاته بعبد الناصر جيّدة أيضاً، ما يساعده في الانتخابات البرلمانيّة السودانية.
  5. قال المهدي لعبد الناصر إنّ السودان يعترف بملكيّة مصر لقناة السويس، لكنه أكّد أنّ قيمة قناة السويس تنبع من استعمال الغرب لها، ولذلك هناك ضرورة لتقديم ضمانات دوليّة في شأن حريّة الملاحة فيها.
  6. وصف المهدي في لقائه عبد الناصر، الكارثة التي ستلحق بالعرب في حال قيام الدول الغربية بالتدخّل عسكريًا، والأزمة التي سيعانيها السودان إذا قاطع الغرب قناة السويس.
  7. كان تقدير عبد الناصر أنّ الغرب لن يستعمل القوّة وأنّ الدّول الغربية ستضطرّ في نهاية الأمر إلى حلّ وسط مع مصر يضمن الكرامة الوطنيّة المصرية.
  8. الموضوع الوحيد الذي اتّفق المهدي مع عبد الناصر عليه هو التزام مصر دفع ثمانية ملايين جنيه إسترليني من حسابات مصر المجمّدة في لندن، والباقي من المال المستحقّ، يتم سداده خلال خمسة أعوام.
  9. اعتقد الشنقيطي أنّ فرض حصار اقتصادي على مصر مدّة ثلاثين يومًا فقط كفيل بإسقاط نظام عبد الناصر.

بعث المسؤول الإسرائيلي رسالة إلى وزيرة الخارجية غولدا مئير وإلى بلمون يخبرهما فيها بفحوى تقرير الشنقيطي، واختتمها بالقول إنّه علِم قبل فترة وجيزة أنّ بريطانيا أوعزت إلى فرع بنك باركليز في الخرطوم دفْع مبلغ مليون جنيه إسترليني للمهدي كسلفة على حساب محصول القطن في السنة المقبلة.

استمرّت العلاقات الودّية بين حكومة السودان وحزب الأمّة من ناحية، وحزب الأمّة وإسرائيل من ناحية أخرى، إلى ما بعد العدوان الثّلاثي على مصر في العام 1956. وشملت هذه العلاقات تعاونًا محدوداً في بعض المجالات العسكريّة، ووصلت العلاقات بين الجانبيْن إلى إحدى ذراها عندما عقدت وزيرة الخارجيّة الإسرائيلية غولدا مئير اجتماعاً سرياً ورسمياً مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل في صيف 1957 في أحد فنادق باريس، بعد هذا الاجتماع بأقلّ من عام، أطاح انقلاب عسكري في الخرطوم حكومة عبد الله خليل، وتسلّم السّلطة في السودان إبراهيم عبود الذي غيّر سياسة السودان من مصر، وأخذ يتقرّب منها ومن نهجها السياسي، وأدّى ذلك بطبيعة الحال إلى قطع علاقات السودان بإسرائيل.

 

Comments
No comments yet, take the initiative.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‏اخبار السودان الان من كل المصادر‏ © 2022