معارك تقاسم السلطة تعيق “السودان الجديد” عن حل أزماته

الخرطوم – ضاعفت السلطة الانتقالية في السودان تحركاتها، الجمعة، لاحتواء الأزمة المشتعلة شرق السودان، قبل أن تمتد نيرانها إلى مناطق أخرى، وسط اتهامات للحكومة بأنها أغرقت مجلس السيادة الانتقالي في السودان بالقضايا السياسية ومعارك تقاسم السلطة وأغفلت مهمة إيجاد حل لقضايا ذات أولوية.

وأخفقت الحكومة الانتقالية في أول اختبار لها بعد التوقيع على اتفاق جوبا للسلام؛ إذ لم تتمكّن من معالجة أزمة شرق السودان، وبدا الارتباك ظاهرا على طريقة التعامل معها، ما أدى إلى تأزم الوضع ووقوع ضحايا جراء صدامات واشتباكات وقعت بين قوات الأمن ومتظاهرين، وأدت إلى فرض حالة الطوارئ في الإقليم، الخميس، لمدة ثلاثة أيام.

محمد حمدان دقلو: سيتم تشكيل لجان لحل مشكلة شرق السودان جذريا
محمد حمدان دقلو: سيتم تشكيل لجان لحل مشكلة شرق السودان جذريا
ولم يفلح قرار الحكومة القاضي بإقالة والي كسلا صالح عمار، أخيرا، في تهدئة الأجواء المتوترة؛ بل تسبب في صب أبناء قبيلته (البني عامر) جام غضبهم على الإقالة التي جاءت تحت وابل من الضغوط التي دامت شهرين، والتي مارستها قبيلة “الهدندوة” اعتراضا على منح منصب الوالي لشخص ينتمي إلى قبيلة منافسة لها تقليديا.

وبدأ مجلس السيادة الانتقالي يفعّل أدواته الدبلوماسية والمخابراتية لحل الأزمة وديا، خوفا من خروجها عن سياقها، وانحرافها نحو تفجير مشكلات جديدة في منطقة تطل على البحر الأحمر، بها أهم موانئ السودان (بوتسودان) وتتكاثر حولها الأطماع الخارجية.

وقال الفريق أول محمد حمدان دقلو، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، إنه سيتم تشكيل لجان لحل المشكلة جذريا بالتراضي، عندما التقى الخميس مع وفد الإدارات الأهلية شرق السودان، وأقر بقيام مؤتمر تشاوري للشرق بالتوافق مع جميع المكونات الاجتماعية دون إقصاء أيّ أحد.

ووجه والي كسلا المقال، صالح عمار، أصابع الاتهام لقوات الشرطة بقتل المتظاهرين السلميين الذين خرجوا منددين بإقالته، قائلا “الشرطة ومن خلفها كل السلطة هي المسؤولة عن هذا الوضع، لأنها تصادر الحق المشروع في التعبير، ولأنها كانت تتفرّج على الفوضى والاعتداءات العنصرية لثلاثة أشهر ولم تحرك ساكنا”.

وعزا متابعون اشتعال الأزمة، ووصولها إلى هذا المنحدر، إلى طريقة تعامل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك مع قضايا شرق السودان، وتركيزه على المنحى السياسي فقط، دون أن يراعي مستشاروه طبيعة النزاع القبلي ومكوناته المجتمعية.

وانتابت الحكومة هواجس وجود تدخلات من قبل عناصر محسوبة على الحركة الإسلامية السودانية، تقوم بتغذية الصراع في الإقليم، ثم ألمحت إلى وجود تدخلات من قبل جهات استخباراتية ودولية، ولم تبذل جهدا كافيا لعلاج الأسباب الداخلية، التي تعد دافعا مباشرا لتفجير الأزمات.

ويقول مراقبون إن تحالف قوى الحرية والتغيير، الظهير السياسي للحكومة الانتقالية، صمم على تعيين والي كسلا صالح عمار ولم يتراجع عن الخطوة مبكرا، ما أكد أن التحالف أقل معرفة بقضايا الشرق، مقارنة بمجلس السيادة.

ويشير هؤلاء إلى أن مجلس السيادة لديه آليات في الجيش والشرطة والمخابرات توفر له المعلومات الصحيحة بشأن طبيعة النزاعات، وهو ما جعله يتدخل سريعا لتطويق الأزمة.

وكشف القيادي في قوى الحرية والتغيير، شريف عثمان، عن وجود مشاورات جادة بين الحكومة الانتقالية ومكونات قبلية مؤثرة داخل شرق السودان لتهدئة الأجواء الحالية، والتوصل إلى اتفاق بشأن تعيين وال مؤقت خلال يومين.

اقرأ أيضاً:

مدنيون في السودان يكسرون الحواجز مع إسرائيل
شركة أميركية توقع عقود طاقة مع السودان للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود
وأكد عثمان، في تصريح لـ”العرب”، أن الحكومة تحاول أن تعالج أخطاءها الماضية، وتضع كل الأطراف أمام مسؤولياتها السياسية والأمنية والمجتمعية بشكل مباشر للوصول إلى حل مناسب يلتف حوله الجميع، بما يساعد على عقد مؤتمر تشاوري لشرق السودان، يكون من نتائجه التفاهم حول تعيين وال توافقي.

وشدد على أن الحكومة ستمضي في طريقها نحو فرض هيبة الدولة في الإقليم، بما لا يسمح بوجود المزيد من الفوضى، وأن هناك تحركات عسكرية على الأرض توازيها في المقابل تحركات سياسية لاحتواء جميع القبائل واستيعاب أبعاد الأزمة.

غير أن استخدام القوة أفضى إلى وقوع ضحايا، بصورة زادت من حدة الناقمين على السلطة الانتقالية، بشقيها العسكري والمدني، وهو ما اضطرها إلى العمل على تطويق الأزمة قبل خروجها عن السيطرة.

وأوضح المحلل السياسي السوداني عبدالواحد إبراهيم، لـ”العرب”، أن الحكومة حلت نحو 50 في المئة من الأزمة بإقالتها والي كسلا صالح عمار، ويبقى لها النصف الآخر عبر إيقاف مسار الشرق، والشروع في الاستعداد لمؤتمر جامع لقضاياه الملحّة.

وما ساهم في تفاقم الأزمة أن مسار الشرق في مفاوضات جوبا لم يحظ بتوافق كبير بين أبناء الإقليم، وجاء بفئات سياسية لا يعلم الكثير من المواطنين مدى انتمائها وأصالتها في التعبير عن قضايا شرق السودان.

واشترط إبراهيم أن تكون اللجان المنوطة بها مهمة الإعداد للمؤتمر معبرة عن جميع القوى والمكونات، بما يساهم في التقسيم العادل للسلطة والثروة.

وأوضح أن الاعتراضات التي صاحبت تعيين والي كسلا لم تكن قبلية فقط، إنما شملت عموم أبناء شرق السودان، لأنه لم يعبر عن مكونات الإقليم الحقيقية.
العرب

شاهد أيضاً

اكتشاف جزء في جسم الإنسان لم يلاحظها الأطباء طوال القرون السابقة

أعلن علماء في هولندا اكتشاف جزء في جسم الإنسان لم يلاحظه الأطباء من قبل طوال …

ظهور “شلل أطفال جديد” بعد تحور فيروسي نادر

بينما يركز العالم جهوده للقضاء على فيروس كورونا المستجد، فوجئت السلطات الصحية في دولة جنوب …

خبراء يكشفون سبب قرار إثيوبيا حظر الطيران فوق سد النهضة

سد النهضة الإثيوبي قبل أيام، أعلن وسينيله هونيجناو، رئيس هيئة الطيران المدني الإثيوبية، أن بلاده …

اترك تعليق