النور حمد يكتب:ههنا يكمن التكلس اليساروي(5)



لا يمكن مقاربة الموقف من المعونة الأمريكية للسودان، دون الأخذ في الاعتبار خوف النخب العربية من جمال عبد الناصر، وسوف أعرض لذلك في المقالة القادمة. واصل السفير الأمريكي في الخرطوم، في رسالته إلى الخارجية الأمريكية قائلا: في رد فعل على موقف الشيوعيين وتظاهراتهم إضافة إلى تظاهرة الاتحاديين، تظاهر في يوم 21/5/1957 مؤيدو حزب الأمة قرب قبة المهدي، وأيدوا قبول المعونة الاميركية. وقد خطب فيهم وزراء حزب الأمة: محمد أحمد محجوب، وعبد الرحمن نقد الله، وعبد الرحمن على طه، وزيادة أرباب. وقد علق السفير قائلا: تبدو هذه التظاهرات المعادية موجهة ضد حزب الأمة، أكثر منها موجهة ضد المعونة الامريكية، (انتهى تقرير السفير الأمريكي). (راجع ما نشره الأستاذ محمد علي محمد صالح في صحيفة الراكوبة، نقلاً عن وثائق الخارجية الأمريكية).

أصبح موقف الشيوعيين والأزهري، فيما يتعلق بالمعونة الأمريكية، متطابقًا. غير أن وقوف الأزهري ضد المعونة الأمريكية لم يكن مبدئيًا كموقف الحزب الشيوعي، وإنما كان موقفًا تكتيكيًا انتهازيا. كان الأزهري حينها قد فقد رئاسة الوزارة وحل محله عبد الله خليل ممثلاً لحزب الأمة. وقد جاءت تلك الوزارة التي ترأسها عبد الله خليل، نتيجةً لائتلافٍ جرى بين حزب الأمة (حزب طائفة الأنصار)، وحزب الشعب الديموقراطي (حزب طائفة الختمية)، وسُمِّيت “وزارة السيدين”. أصبح الأزهري حانقًا على حزب الأمة، ولم تعد أمامه فرصة سوى أن يتطلع إلى مصر لتجري مصالحةً بينه وبين حزب الشعب الديموقراطي، الحليف التاريخي لمصر. وهو أمرٌ يسعد مصر، التي فقدت نفوذها في السودان. وقد تماهى موقف الأزهري في رفض المعونة، حينها، مع موقف عبد الناصر الحانق على أمريكا، بسبب رفضها تمويل مشروع السد العالي.

قبل تلك الخطوة، كان الاتحاديون، وعلى رأسهم يحي الفضلي، قد أساءوا كثيرًا لحزب الختمية. وأصبحوا يطلقون النعوت النابية على السيد علي الميرغني تحت ما أسموه، “مصرع القداسة تحت أقدام السياسة”. لكن حين فقدوا السلطة أخذوا يخطبون وده. رأت مصر أن الفرصة سانحة لتجمع الختمية والاتحاديين لإسقاط حكومة حزب الأمة المعارض للنفوذ المصري. سافر السيد علي عبد الرحمن، أمين حزب الشعب الديموقراطي، إلى مصر، وأعلن من هناك، في خطوة انتهازية مماثلة لخطوة الأزهري، أنه يقف في معارضة حكومة عبد الله خليل. (راجع صحيفتي: “أنباء السودان” 15/11/1958م، و”الرأي العام” 9/11/1958م)‏. الطريف أن السيد علي عبد الرحمن كان لحظتها، لا يزال نائبًا لرئيس وزراء حكومة عبد الله خليل، ووزيرًا لداخليتها! أنكر السيد، على عبد الرحمن ذلك لاحقًا، لكنه يبقى مجرد إنكار. (راجع: شهادة السفير الإثيوبي في الخرطوم الواردة في وثائق الخارجية الأمريكية: محمد علي محمد صالح، سودانايل).

استغل الأزهري مسألة المعونة الأمريكية ليركب موجة الزوبعة التي أشعلها الحزب الشيوعي، بغرض إحراج حزب الأمة الذي انتزع منه رئاسة الوزارة. ولم يكن الحزب الشيوعي محايدًا في معارضته للمعونة، وإنما كان يريد جر السودان للاصطفاف خلف الاتحاد السوفييتي. سممت تلك الزوبعة الأجواء السياسية في السودان وخلقت ماءً عكرًا أصبح كل قبيلٍ فيه يصيد بطريقته. قاد التخوف من عودة المصريين للتحكم في الشأن السوداني من جديد، إلى أن يسلم عبد الله خليل، في مغامرةٍ غير محسوبة العواقب، السلطة للفريق إبراهيم عبود. لتدخل البلاد منذ تلك اللحظة الفارقة في سلسلة الانقلابات العسكرية التي أهدرت، حتى الآن، 52 عامًا من عمر استقلال البلاد. (يتواصل).

 

التكلس اليساروي: التبعية العمياء للسوفييت

حاول الحزب الشيوعي السوداني أن يستخدم مسألة المعونة لخلق اصطفاف جماهيري ضد

الاستعمار والإمبريالية، وفقًا لخارطة الطريق المتبعة لدى الشيوعية الدولية. فالحزب الشيوعي

السوداني لم يكن مالكًا لقراره بقدر ما كان تابعًا لأوامر موسكو منصاعًا لها. ودعونا نرى ما أورده

الأكاديمي المرموق، محمد محمود، حول خضوعه لتوجيهات موسكو، في قضية بالغة الأهمية.

في ورقته الشهيرة القيمة المُسَمَّاة: “البيت الذي بناه عبد الخالق”. ناقش محمد محمود في

جزئيةٍ منهاه ما كتبه د. فاروق محمد إبراهيم عضو اللجنة المركزية السابق حينها، عن محاولتهم

عقب حل الحزب الشيوعي تحويل الحزب إلى حزب اشتراكي، يعتمد برنامجًا وطنيًا ديمقراطيا.

وهو اقتراح أجيز بعد مناقشات مستفيضة. وتقرر دعوة المؤتمر الرابع للانعقاد في الجريف في

أبريل 1966 لإجازة التوجه الجديد وانتخاب لجنة مركزية جديدة.

لكن بعد أن وصل الأعضاء إلى مكان انعقاد المؤتمر جرى إخطارهم أن المؤتمر تغيَّرت صفته من

“المؤتمر الرابع” إلى “المؤتمر التداولي”. كذلك قيل لهم إن الأمين العام للحزب المرحوم عبد

الخالق محجوب لن يتمكن من المشاركة في المؤتمر لأنه مضطر للسفر إلى موسكو، للمشاركة

في مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي المنعقد هناك في نفس التاريخ. بعد عودة عبد الخالق

بفترة تقرر أن قرار تحويل الحزب الشيوعي إلى حزب طليعي، كان “انحرافًا يمينيًّا” يؤدي إلى

حلّ الحزب الشيوعي. وفي دورة من دورات اللجنة المركزية التي انعقدت في ضاحية من

ضواحي الخرطوم في نوفمبر 1966، قام نفس أعضاء اللجنة الخمسة وخمسين الذين انتخبهم

مؤتمر الجريف، بإدانة القرارات التي سبق أن اتخذوها بأنفسهم، قبل ستة أشهر. (راجع: محمد

محمود، “البيت الذي بناه عبد الخالق”، “مجلة الكلمة”). وكما يفعل الشيوعيون الصينيون تحت

قيادة ماو تسي تونغ، والكوريون الشماليون تحت قيادة كيم إل سونغ، في النقد الذاتي التذلُّلي،

شكر الأعضاء، الأمين العام على تصحيحه “انحرافهم اليميني”. وبدوره شكر الأمين العام الرفاق

السوفييت للنصائح القيمة التي أسدوها له خلال زيارته لموسكو، لتصحيح ذلك الانحراف.

(راجع: محمد محمود، نفس المصدر”).

أوردت هذا الجزئية مما ذكره الأستاذ فاروق محمد إبراهيم، لأدلل على أن الحزب الشيوعي وهو

يتنطع بعداء الاستعمار والامبريالية والمعونة الأمريكية، كان في حقيقة أمره حزبًا تابعًا لجهة

أجنبية توجهه وتحدد له إن كان قد ارتكب “انحرافًا يمينًا”، أم لا. فهو يقرأ واقع بلاده التاريخي

والاجتماعي والسياسي، بعينٍ أجنبية. وهو في تقديري لا يزال، إلى يومنا هذا، على تلك الحالة

المزرية التي كان عليها آنذاك، رغم تبدل الأحول الدولية. فالأراضي السوفييتية المقدسة التي

كان يحج إليها آنذاك، غدت بلقعًا قفرًا، يحق فيها قول الشاعر: “أضحت خلاءً وأضحى أهلُها

ارتحلوا، أخنى عليها الذي أخنى على لُبدٍ”.

لقد أضاعت غوغائية الحزب الشيوعي السوداني وتبعيته العمياء لموسكو على السودان فرصًا

ذهبية للتنمية. كان الحزب منحبسًا في أيديولوجيته، ولا يزال، وكان منخرطًا في خدمة أجندة

الحرب الباردة. وقد انجر وراء الحزب الشيوعي السيد إسماعيل الأزهري بما عرف به من انتهازية

وحب للسلطة. أدى الإضراب الكبير الذي دبره الشيوعيون في عام 1957، وضغطهم على

حكومة الاستقلال الوليدة، ومعارضتهم للمعونة الأمريكية، إضافة إلى تآمر السيد إسماعيل

الأزهري والسيد على عبد الرحمن مع جمال عبد الناصر لهزيمة حكومة حزب الأمة، إلى تعقيدٍ

بالغ للأوضاع السياسية. الأمر الذي دفع بالسيد عبد الله خليل، ومن ورائه حزب الأمة، إلى

تسليم السلطة المنتخبة طواعيةً إلى الجيش.

شاهد أيضاً

البرهان: ليس لديّ أيِّ طموح سياسي.. فقط أريد أن أؤدي أمانة التكليف

قال رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان فى لقاء خاص بتلفزيون السودان اجراه لقمان …

البرهان:تطبيع العلاقات مع إسرائيل محفز لرفع اسم السودان من قائمة الارهاب

قال الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل …

مصر تمد خط سكة حديد إلى السودان – صحيفة الوطن الإلكترونية

الخرطوم :الوطنقالت وزارة النقل المصرية، إن حكومة بلادها تدرس مدّ خط سكة حديد إلى السودان، …

اترك تعليق