“مصرعُنا .. ذاكرة الذُّبابة !!”


معادلات
علي يس

•       ببساطة ، و بلا أدنى تعقيد، ما جرى منذ أواخر العام 2018 و حتى هذه اللحظة ، هو الآتي:
•       اللصُّ القديم أراد أن يغيِّر ثيابه ، أن يتنكَّر، أن يلعن للناس صورته القديمة ، أن يسرق غضب الناس عليه ، بعد أن سرق منهم كلَّ شيءٍ حتّى دماء أبنائهم .. فكان أن أخلى المسرح – في مشهد شبيه بمشاهد الأفلام الهنديّة التي كانت تستدِرُّ دُموع المراهقين –  للصٍّ جديد ..
•       الأمرُ لم يكُن بالـ(تلقائيَّة) التي نظُنُّها ، فالتدبير قديم ، و التعاقُد بين اللِّصّين تمَّ منذُ أن تغنّى أحدُهم بأنشودةٍ اسمُها (الجهاد المدني ، و الهبوط الناعم) ، فتلقَّف اللِّصُّ القديم الأغنية ، ليصُوغ منها سيناريو “مملكته الثانية”، بشروطٍ أهمُّها أن يتقاسم اللِّصّان المسروقات ، و أن يجتنِبا الاختلاف بينهما ، فهُما يعرفان أنّهُ “إذا اختلف اللِّصّان ظهر المسروق”.. أمَّا الشرط الأهم ، فكان هو “تبادُل الأدوار” في مفاوضة اللصوص العالميين الأكثر طمعاً في ثروات البلاد ، هذه التي كُتِبَ علينا أن يتقاسمها لصوص الخارج بمعاونة لصوص الداخل..
•       أيُّها الشعبُ الطيِّب ، ستفاجئُك معرفة أنّ “قوى الحُرِّيّة و التغيير”  التي أوليتهُا ثقتك ، و سلّمتهُا عُنُق ثورتك الممهورة بالدم ، ستفاجئك معرفة أنّ قيادتهُا الفاعلة هي من صنائع نظام البشير ، و عرَّاب استخباراته “قوش”.. فلا تجعل المفاجأة باباً لليأس .. لقد سرقوا منك – ذات اللصوص – ثلاث ثوراتٍ ، فاحرص على الرابعة ، قبل أن تضطرَّ إلى إبراز جواز السفر و تأشيرتين عند نقطة الحدود بين جمهورية الخرطوم و جمهوريّة كسلا.. والله العظيم هذا هو الذي يجري ترتيبه بين لصوص الداخل و لصوص الخارج ، فاسرع بثورتك الحاسمة قبل أن لا تجد وطناً..
•       هذا السيناريو المكتمل ، و الذي أغراهُم بتدبيره “ذاكرة الذُّبابة” التي نتمتّع بها دون شعوب الأرض ، كانت تكفي أحداث عامٍ و نصف العام لكشفه بوضوح باهر.. و لكن..
•       لم نلتفت إلى تقاعس الحُرِّية و التغيير عن أهمّ وظيفتين في الدولة لضمان العدالة و محاسبة القتلة و السارقين : النائب العام و رئيس القضاء .. لقد اختار الشعب ، من أول يوم ، رجلين من أصدق و أشجع و أعدل رجال القضاء ، لترشيحهما للمنصبين الخطرين ، فلم تجد “الحاضنة المستعارة” للثورة بدّاً من التظاهر بتثنية الترشيح ، و إن كانت تضمرُ في نفسها  كُرهاً للرجلين، فرشّحتهما على استحياء ، ثمّ تنفّست الصعداء حين تمّ رفضهما من قبل العسكر .. لو كانت الحُرِّيّة و التغيير ممثلاً صادقاً و حقيقيّاً للشعب لتمسّكت بحقِّها في ترشيح من ترى للمنصبين ، ذلك الحقّ الذي نصّت عليه الوثيقة الدستورية المعيبة الناقصة ، و لكن .. من قال إنّ الرجلين هُما الخيار الحقيقي للحُرِّيّة و التغيير ؟؟ .. لقد قرّر طرفا المؤامرة المكشوفة ، أنّه لن يتم قصاص للشهداء ، و لن يتم محاسبة حقيقية للصوص المؤتمر الوطني ، و أنّ (الأمانة) التي تسلّمها اللِّصُّ الجديد المأجور ، سيتم تسليمها للِّصّ القديم  عاجلاً ، ريثما ينجح اللص الجديد في إعادة تسويق زميله القديم .. هي مسألة “تعاون” بين لصين لا يسعهما إلاّ أن يتعاونا ، فالمسروقُ وطن..
•       ألم تتساءل يوماً : أيُّ حكومة ثورة تلك التي لا تزال ترهن دبلوماسيتها  لسفراء اختارهم و مكّنهم العهد المقبور؟ .. ألم تتساءل : ما الذي يجبر “حكومة ثورة” على قبول  أن يمثلها في جامعة الدول العربيّة ، دون العالمين ، المتهم الأول في “مجزرة العيلفون” ، التي قُتِلَ فيها المئات ممّن لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة من أبنائنا؟؟..
•       ما الذي يمنع “حكومة الثورة” و نائبها العام  من تقديم طلب لجامعة الدول العربيّة أن تسلّمها متهماً بقتل مئات الطلاب؟؟..
•       الذي يمنع كل هذا ، يا مولاي ، هو المذكور أعلاه : الاتفاق بين اللص القديم و اللص الجديد ينص على أن لا يتجاوز اللص الجديد حدود إطلاق الشتائم على اللص القديم ، إرضاءً لغرور الشعب الثائر، أمّا الأفعال فلا ينصُّ عليها الاتفاق!!.. و انظر إلى المحاكمات السلحفائيّة التي تجري ، و التي لن تنتهي قبل أن تعاد الأمانة إلى اللص القديم ..
•       ألا تلاحظ ، يا مولاي ، أن بارقة الأمل الوحيدة التي بدت لنا ، لجنة إزالة التمكين ، لا تفعل أكثر من بدعة النظام المقبور.. فقه التحلُّل .. فالذي تفعله لجنة إزالة التمكين ، رغم إخلاصها البادي لنا ، هو مجرّد استرداد جزءٍ من المسروقات ، مع عدم المساءلة القضائيّة  للسارقين ، فاللجنة التي لا تمتلك أصلاً صلاحيات القضاء ينتهي عملها عند المصادرة ، مصادرة الظاهر فقط من المسروقات ، التي لا تزال داخل البلاد .. أهذا أقصى ما تستطيع فعله حكومة ثورة؟؟؟…
•       ليعود السودان كما كان ، دولة محترمة  ، لا بد من ثورة حقيقية ، كاسحة ، تكنس اللصين و آثارهما..
(المواكب)

اترك تعليق