السودان: أحمد يوسف التاي يكتب: حوار حول التطبيع




(1)
لم يعد خافياً أن قضية التطبيع مع إسرائيل أخذت حيزاً كبيراً لدى الشارع السوداني ، وأثارت جدلاً كثيفاً في الأوساط السياسية والإعلامية والمجالس الشعبية على حد السواء، وأبرزت تناقضات كبار المسؤولين، وكشفت حجم «الربكة» واضطراب المواقف لدى الأجهزة الرسمية، وعلاوة عن كل ذلك بيَّنت أن الحاضنة السياسة للحكومة «تبتسم» سراً لقرار التطبيع، وتبدي مواقف صوريّة «ديكورية» ترفض للتطبيع شكلاً لحفظ ماء الوجه وتجنب الحرج، لكنها في قرارة نفسها تريد هذه الخطوة وتخشى ردة فعل الشارع، وحتى لا تكون متناقضة مع مواقفها «المبدئية» أمام قواعدها.. هكذا يبدو المشهد عند قراءة بعض المعطيات وقرائن الأحوال …
(2)
صحيح أن الذي يقرأ المشهد المضطرب والمواقف «المرتبكة» والمتناقضة لحمدوك وبعض وزراء حكومته إزاء هذه القضية، يدرك أن قرار التطبيع كما لو أنه قرار فردي اتخذه رئيس المجلس السيادي أو هكذا تبدو الصورة بمعطياتها الظاهرة والمستترة، لكن الواقع أن وزراء الحكومة وحاضنتها السياسية وبشيء من المكر والدهاء قدمت البرهان ليروا فيه «شيل التمساح» ويبدو على خشبة المسرح كما «السادات» تماماً، فإن تم الأمر بسلام وجاءت ردة الفعل هادئة وغير مكلفة خرج كل هؤلاء من «مخابئهم» وتبنوا الخطوة وتسابقوا نحو تبريرها، وإن هاجت الدنيا وثار الشارع يتحمل البرهان وحده وزر التطبيع خاصة وأنهم أبدوا المواقف «الديكورية» الرافضة من تلك «المخابئ»، ولعل ما يعزز هذه الفرضية هو التحولات الدرامية التي بدت على مواقف رئيس الحكومة ووزراء الخارجية، والعدل، والزراعة والناطق الرسمي باسم قوى الحرية والتغيير أمس وهم يتسابقون في مضمار التبرير والتسويق للفكرة، وربما نشهد المزيد من التحولات بعد أن اطمأن الجميع أن ردة الشارع السوداني لم تكن كما كانوا يتصورونها…
(3)
مثلما أن هناك من ينظر إلى قضية التطبيع من زاوية عقدية بحتة ويرى فيها كفر وخيانة للأمة، هناك من ينظر إليها على أنها قضية سياسية تتصل بالحق المغتصب في فلسطين، وطالما أن الفلسطينيين يبحثون عن السلام مع اسرائيل ويتفاوضون عليه فلا يجب أن نكون أكثر تشدداً منهم، بينما يتوهم آخرون أن التطبيع سيكون المدخل المناسب للرخاء والاستقرار السياسي والاقتصادي بل إن البعض أسرف في أحلام التطبيع، ولعل هذا ما يجعل المواقف متذبذبة ومتناقضة وهشة، وقد غابت عنها النظرة الموضوعية والاستراتيجية..
(4)
على المستوى الشخصي،لا أرى في التطبيع كفر بواح، كما لا أرى فيه فائدة تُرجى، وبهذا لا أنظر إليه إلا في إطار العلاقات الخارجية.. فالقضية ليست بذات الحساسية والغلو، وفي نفس الوقت ليست بذات السطحية والسذاجة التي يتوهم معها الغريق أن بإمكان زبد البحر أن ينقذ حياته، وأن «القشة» قادرة على أن تتحول إلى طوق نجاة.. فالقضية تحتاج إلى حوار عقلاني موضوعي قائم على منطق المصالح القومية ومصالح الأمة بعيداً عن الخطب الحماسية، وبعيداً عن العواطف والانتهازية والابتزاز السياسي، والسطحية فالأمر يحتم على القائمين عليه أن ينظروا في جلب المنفعة ودرء المفاسد والضرر..…اللهم هذا قسمي فيما أملك…
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.




اترك تعليق