وقد يأتيك “نصراً” في حديث سنهوري!


أصعب أنواع الكتابة هي عن الأصدقاء، وأقسى أنواعها عندما تكتُب عن صديقك وهو في موقع السلطة. هنا يقع الكاتب بين نارين، نار الكتابة مدحاً لمن هو في السلطةِ خشيِّة أن تُفهم تزلّفاً وتملُقاً، ونار واجب الصداقة وأنت ترى السهام تنْتاشه سِهام الكاذبين/بات؛ بكيدهم/ن السياسي الرخيص، ولكنّي لستُ ممن يقعون في الفخاخ المُهترئة أو يرضخون للابتزاز؛ ولا آتي ترهيباً أو ترغيباً، شعاري في هذه الحياة: “إمّا حياةٌ تسرّ الصديق/ وإما مماتٌ يغيظ العدا”.

وعن صديقي الدكتور نصر الدين عبد الباري وزير العدل أكتُبُ اليومَ. والكتابةُ عنه مُرهقةً، فلا أعرف من أين أبدأ؛ وكيف؟ هل بنُبله الإنساني وأدبه الجم الطاغي؟ أم بثقافته وعلمه الوفير؛ واتساقه الأخلاقي والمهني وشجاعته التي قلّ نظيرها بين وزراء حكومتنا؟ أم بالتزامه الدقيق بوعوده ومواعيده واهتمامه بالتفاصيل، وهذه ميزة ظننتُ أنني أعرفها وحدي، ولكنّ عندما جمعني لقاء بالصديق والأخ الأكبر الأديب الأريب، والقانوني الضليع، الأستاذ كمال الجزولي، وهو من القِلّة التي لها عيناً فاحصة و (نجيضة)، اكتشفت حينها أنني لستُ وحدي من يعلم ذلك، فقد انتبه (كمال) إلى هذه الميزة؛ قائلاً: ما معناه إنّ نصر الدين لمّاحٌ وذكي؛ له قُدرة فائقة على استخلاص الدسم من السم، وفرز الغث من السمين، بصورةٍ بارعة.
شهادتي في نصرالدين مجروحة، فهو دون جميع وزراء حكومتنا من اختبرته عمليِّاً قبل توليه الوزارة، وهذا منبع تقديري واحترامي وحبي له، وقد كان رئيسي وهو الأصغر سناً إبان المنفى القسري الجميل بيوغندا، في مشروع لرصد وتوثيق فساد النظام البائد، وكان – أي المشروع- برعاية منظمة أمريكية مرموقة تحارب الفساد وتنادي بالشفافية، ومن غيره يمكن أن يكون مُمثلاً وعنواناً لهذه القيِّم النبيلة، وقد كان رئيساً شفافاً وصار صديقا أكثر شفافية، ولأنني أعرفه كجوع بطني كنتُ أسعد الناس بتوليه المنصب.

وقد تجلّت شجاعته في قضية التطبيع مع إسرائيل ببيانه يوم أمس، وان من البيان لسحرا، وقد تجلّى سحر بيانه عندما وضع يده (وهبش) عش الدبابير وشبكات المصالح التي تتغطى بأثواب الدين والطائفة والقبيلة من أجل الإبقاء على امتيازاتها التاريخية التي اكتسبتها بقهرِ وإذلالِ وتجهيلِ وتسطيح هذا الشعب الطيِّب، فجاءهم نصر من أقصى الهامش يسعى، قائلاً: أوقفوا هذا الاستهبال، نحن لم نتفق معكم على ثوابت، فكفاكم سرقة ألسننا، فهبّ عليه أصحاب المصالح والامتيازات المهيمنة تاريخياً على قرارنا والمُصدرة لصوتنا ومواردنا، فهاجوا وماجوا مُرددين بأن اطردوه أو أسجنوه أو أعزلوه، وكنا أمام مشهد جديد لسيدنا يوسف أمام عزيز مصر وقومه وزوجته!

لم يمض وقت طويل على محاولة القلة من أصحاب الامتيازات التاريخية شيطنة السيد الوزير، رغم إن رايه من رأي الغالبية الساحقة من المواطنين المنتشرين في أرجاء السودان الواسع، حتى خرج علينا العم الأستاذ علي السنهوري، وهو شخص غاية في اللطف والتهذيب والاحترام على الصعيد الشخصي، ببيان مُتلفز؛ رفع عنّي رهق الكتابة لتأييد وجهة نظر وزير العدل التي تمثلني وتعبر عني، قائلاً ما يؤكد؛ ليس فقط على أننا لا نتفق على ثوابت أمة، بل كشف أيضاً عن أننا أصلاً لم نستوي أمةً بعد ، فقد رأينا منه درراً وسمعنا عجباً، ولم يكن ينقص حديث العم السنهوري سوى صوتٍ فخيمٍ ومُعتّق يأتي من الخلفيِّة قائلاً: (صوتُ العرب من القاهرة) !

لم أكن أتصور إنِّه لا يزال يعيش بيننا من يقول برمي بني إسرائيل في البحر، وعبارات أخرى ، لم يعد يرددها الفلسطينيون أنفسهم، مثل: ” من النهر إلى البحر”، بل ويسرق لساننا قائلاً إنّ الدفاع عن فلسطين واجب كل عربي، وكأننا جمهورية السودان العربية! وماذا عنّي وعن صديقي نصرالدين، وماذا عن غيرنا من ملايين السودانيين غير العرب، خصوصاً وأننا لم نتفق مع السنهوري وغيره، على هويِّة واحدة بمُحدّدات وثوابت؟ هل سترموننا في البحرِ أيضاً بعد أنْ تُغرِقوا بني إسرائيل؟!
كم لبثنا!

منعم سليمان
المصدر: صحيفة الديمقراطي

اترك تعليق