الشفيع خضر سعيد يكتب بدون الإصلاح المؤسسي، سيذهب العون الخارجي جُفَاءً!


لن يتحرر السودان من الأزمة الإقتصادية الطاحنة الممسكة بخناقه، بمجرد شطب إسمه من لائحة الدول الراعية للإرهاب، أو إستعادته لحصانتة السيادية، أو نتيجة لتطبيع علاقاته مع إسرائيل، أو بمجرد إعلان أمريكا والمؤسسات المالية الدولية رضاها عنه وإعتباره الصديق الصدوق. فكل ذلك لن يؤتي أُكله مالم تتبنى الدولة سياسات وبرامج متوافق عليها داخليا، بعد تشاور واسع، تبدأ بالإصلاح المؤسسي الشامل، والعمل وفق خطة مدروسة، متوائمة مع واقعنا، لرسم وإدارة السياسة الإقتصادية وتفجير الإمكانات الإقتصادية الكامنة في البلاد. وكما كررنا كثيرا، فإن مفتاح حل أزمات البلاد السياسية والإقتصادية موجود في داخلها، لا خارجها، في السياسات والبرامج التي تتبناها الدولة، وأبدا لن تُحل مشاكل أي بلد من خارجه أو بإعتماده على العون والدعم الخارجي. وبالطبع، هذا لا يعني التقليل من الدور الهام الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة والإستثمار الخارجي في إنتشال السودان من كبوته الإقتصادية، ولكن هذا الدور ليس هو العامل الرئيسي والحاسم في إنقاذ الإقتصاد السوداني.

ومع ذلك، لا بد أن يُعد السودان عدته ويُكمل إستعداداته للتعامل المالي والاقتصادي مع المؤسسسات العالمية والدول المانحة ولإستقبال أي عون خارجي، وأي إستثمارات خارجية تتدفق على البلاد، وذلك بتهيئة بيئة ملائمة وتربة خصبة لإحتضان إنفتاح الخارج عليه، حتى تحصد البلاد ثماره رفعا للمعاناة ومساهمة في التنمية. وحتى تنجح حكومتنا الإنتقالية في تهيئة هذه البيئة الملائمة والتربة الخصبة، أقترح عليها أن تتبنى وتنفذ مجموعة من الإجراءات والسياسات والتدابير، التي يُجيد خبراؤنا الإقتصاديون رسمها، والتي من بينها، وفي قمة سلم أولوياتها، التدابير التالية:

أولا، في البدء لا بد من الإصلاح المؤسسي للوزارات والمؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها وزارة المالية، إذ بدون ذلك فإن الفائدة المرجوة من الدعم الخارجي ستكون بعيدة المنال. وأعتقد أن من المشاكل الكبرى التي يعاني منها السودان، ضعف المؤسسات والإدارة العامة للدولة والتي أفرغها نظام الإنقاذ البائد من محتواها. والإصلاح المؤسسي يتطلب أن تتوفر لدى مجلس الوزراء والمسؤولين في الوزارات والمؤسسات المختلفة، إرادة قوية وقدرة على توظيف الخبرات التي تذخر بها البلد، إذ لا يمكن أن يتم الإصلاح المؤسسي بأيدي وزراء ومسؤولين ضعيفي الشأن. من ناحية أخرى، وفي سياق الإصلاح المؤسسي الشامل، نرى أهمية أن تلتفت الحكومة إلى عدد من الإجراءات الهامة والتي بدونها لا يستقيم أي إصلاح إقتصادي، ومنها: أ- لابد من تحرير بنك السودان المركزي من أي “هيمنة مالية” مفروضة عليه، وإعادة النظر في هيكلته وإدارته. ب- لابد من التعجيل بتعيين مدراء المصارف الحكومية، حيث ظلت هذه البنوك، ولفترة طويلة جدا، بدون مدراء، في خلل يكاد يصل درجة الجريمة! ج- ترشيد الاستيراد لخفض العجز التجاري. د- إعادة هيكلة وترشيد الصرف والإنفاق الحكومي. ه- إعتماد سياسات صرف “إسمي” مرنة ومتوازنة لإستقرار قيمة الجنيه وعدم تعريضه للتقلبات العشوائية، والتعامل الإيجابي والسريع مع عشرات المبادرات التي ظل يقدمها المغتربون لتوفير العملة الصعبة في البلاد.

ومعروف أن تحويلات المغتربين وحصيلة التهريب والتلاعب في سياسات حصاد الصادر، وخاصة السمسم والصمغ العربي واللحوم والذهب، تشكل المصادر الأساسية لتواجد العملة الصعبة خارج النظام المصرفي، وتصحيح هذا الوضع المختل لن يتأتى إلا بتحقيق ثلاثة شروط أساسية، هي: الولاية الحصرية لوزارة المالية على المال العام، وفك الحظر علي المعاملات المصرفية، وتوحيد سعر الصرف. و- التعامل الصارم ضد التهريب والتهرب الجمركي والضريبي، وإنشاء آلية للرقابة على الأسعار، ولضمان وصول السلع الإستراتيجية لمستحقيها.

ثانيا، الإعلاء من شأن التخطيط، عبر وزارة قائمة بذاتها أو مجلس أعلى، بديلا للسياسات العشوائية التي كان يمارسها النظام السابق مما وضع إقتصاد البلاد في قبضة مجموعات طفيلية نمت وترعرت على حساب المال العام. ونعني بالإعلاء من شأن التخطيط، تمسك الدولة بدورها في التخطيط التأشيري وفي إعادة توزيع الثروة، وتمكنها من وضع إقتصاد السوق تحت شروطها، وسعيها لتأسيس شراكة قوية بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني من أجل بناء خطط إستراتيجية هدفها الأساسي تنمية حياة الناس. وعبر التخطيط، تسيطر الدولة على تدفقات العون الخارجي، وتتابع المشروعات التنموية المرتبطة بهذا العون. كلنا نتذكر كيف أنه في ظل نظام الإنقاذ المباد، كان أي وزير يمكن أن يسافر، الي الصين مثلا، ويحصل على قرض بدون حضور أي من المختصين، لذلك ليس غريبا قول الصين أن ديونها علينا تبلغ 11 مليار دولار، بينما الموجود في سجلات الحكومة 8 مليار! وهناك قرض بنك التنمية الأفريقي الذي حوله وزير مالية سابق في عهد الإنقاذ لمصلحتة هو وخُلَصَائِهِ من الرأسمالية الطفيلية. وكذلك القرض الهندي، 35 مليون يورو، والذي تأكد إرساله من الهند ولكنه إختفى ولم يصل السودان أبدا، وفق ما أثير في مداولات برلمان نظام الإنقاذ في أبريل 2018. وفي الحقيقة، بدون تخطيط وقطاع عام قوي ومساند ومكمل للقطاع الخاص الوطني، لا يمكن أن نحقق الفائدة المطلوبة من الدعم الخارجي، ولا يمكن أن ننجح في تحقيق اختراق تنموي. أنظر إلى تجارب بلدان النمور الآسيوية، كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونكونج، بالإضافة إلى ماليزيا، والتي تبنت سياسات التخطيط التنموي الموجه من الدولة تحت سيطرة القطاع العام، فحققت طفرة إقتصادية هائلة خلال فترة وجيزة، ما بين ستينات وسبعينات القرن الماضي، حولتها من دول فقيرة ومحطمة إلى بلدان متقدمة ومزدهرة. فكوريا الجنوبية، مثلا نهضت من دولة فقيرة ومنهارة، فقدت أربعة ملايين مواطن بسبب الحرب الأهلية، إلى دولة صناعية رائدة تمثل اليوم تاسع أكبر اقتصاد في العالم. أما تايوان والتي لم تكن أكثر من جزيرة صغيرة للصيادين، فحققت قفزات اقتصادية مدهشة رفعت دخل المواطن الى 13 ألف دولار، لتحتل المركز الـ 23 ضمن أكبر اقتصاديات العالم. والجدير بالذكر، أن بدايات نهضة تايوان إعتمدت على التخطيط التنموي مركزي، وكان على قمة الهرم التنفيذي والإداري للقطاع الاقتصادي،

كفاءات من المهندسين المختصين في تخصصات لا علاقة لها بالاقتصاد، وإنما كان جلّهم تكنوقراط أكفاء في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والمياه..الخ. ونحن في السودان نتطلع لأن تتمسك الحكومة الإنتقالية بالإصلاحات السياسية الديمقراطية التي عبّرت عنها شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، الحرية والسلام والعدالة، وعلى أساس قيم المواطنة وحقوق الإنسان، وتستخدم جهاز الدولة لإرساء دعائم نموذج يزاوج بين التنمية الاقتصادية والتنمية الإجتماعية وإحتياجات الناس، من خلال طرح مبادرات إسثمارية متنوعة، وخلق بيئة إستثمارية جاذبة، ودعم المشاريع الصغيرة، والإستثمار في التعليم والبحث العلمي، والعمل على خلق إقتصاد تنافسي مرتبط بحركة الإقتصاد العالمي، ويستفيد من الوسائل التكنولوجية، وممارسة الدبلوماسية التجارية الناجحة لفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات المحلية.

ثالثا، ضرورة أن تشرع الحكومة في التخطيط لبناء إقتصاد رقمي، Digital Economy، بإشراف وزارة أو مجلس أعلى مختص، بأمل أن يكتمل ذلك مع نهاية الفترة الإنتقالية، أو فى غضون الخمسة سنوات القادمة، علما بأن العديد من دول المنطقة فطنت لأهمية الإقتصاد الرقمي وشرعت في بناءه، مثل مصر والسعودية والأردن ورواندا، كما أشار الأخ عمار حمدين في ورقة ممتازة ومتميزة حول هذا الموضوع، مؤكدا على أن الاقتصاد الرقمي هو المحرك المستقبلي للابتكار والمنافسة الصحية والنمو الاقتصادي، وأن رقمنة الاقتصاد السوداني سوف يسد التحول الرقمي الفجوات الواسعة للشمول الرقمي والمالي في السودان، وسيكون له تأثير إيجابي كبير على القطاعات الحيوية مثل الزراعة والتعليم والصحة والعدل والعمل والتنمية الاجتماعية والنقل وسلطات الإدارة العامة الأخر، وأن الاستراتيجيات الاقتصادية المتمحورة حول المواطن يمكنها إستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل تحقيق توقعات مستدامة وقابلة للتطوير خاصة من شريحة الشباب المتزايدة من السكان السودانيين، وأن رقمنة العمليات الحكومية وتوسيع …

د. الشفيع خضر سعيد

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة التحرير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: